أحمد بن محمد ابن عربشاه

364

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

جدار بابين ، ثم حاصره أسد من خارج ساوت قوة الخارج قوة الوالج ، ولا شك أن حركة العساكر وقطع الفيافي والدساكر « 1 » ، والتوجه إلى قتال من هو ساكن في سربه ، محتاط في إقليمه ودربه ، متحصن في قلاعه ، متدرق بحجفة امتناعه « 2 » ، يحتاج في الأموال إلى إخراج وفي الرجال إلى إزعاج ، وتحمل أخطار وتجشم أسفار ، وأخذ ضعفاء تحت أقدام وهدم دور وقطع أرحام ، ومع هذا كله حصول المقصود موهوم ، والظفر به غير معلوم ، فإن حصل فقد مر أن لا ثبات ولا تمنع ، وإن احتجب فهو وراء ستر التمنع ، فكم من دماء حينئذ تراق وقد كانت مصونة ، وأموال تهدر وقد كانت مضمونة ، وأعراض تهتك وقد كانت محترمة ، وأنفس تذل وقد كانت عزيزة مكرمة ، والحق في هذا متضح ومن نجا برأسه فقد ربح ، وقد قدمت هذا التقرير وهندست هذا التقدير ؛ لأن العاقل الماهر في التجارة كما بحسب الربح بحسب الخسارة ، وكل هذا في العاجلة فضلا عن المحذورات الآجلة ، من غضب الله وعقابه وتوبيخه وأليم عذابه . وإذا خرج الأمر عن اليد ودخل على القلب الاشتغال بالنكد ، وذهب المال والمنال ونقصت الأهبة والرجال ، وتناقص العدد والعدد وتناكص المدد ، فأي حرمة تبقى للملك عند الرعايا وقد قلت عنهم منه الإرفاد والعطايا ، وكيف يستقر ملكه أو يدور على ذلك الثبات فلكه ، فلا تخافه الرعية ولا يرجونه ولا يسمعون كلامه ولا يطيعونه ، ويصير كالسحاب الخلّب « 3 » لا يوثق منه بوعد ولا يحصل منه مطلب ، إن تكلم عابوا كلامه ، وإن حكم نقضوا أحكامه ، وإن حلم قالوا : عاجز ، وإن تقدم في الحرب قالوا : مجنون مبارز .

--> ( 1 ) القرى الكبيرة العامرة . ( 2 ) أي ممتنع عنهم بالتروس . ( 3 ) السحاب لا مطر فيه .